مركز الثقافة والمعارف القرآنية

506

علوم القرآن عند المفسرين

بالفكر والإدراك ، فما من واحد منا إلا وهو يرى نفسه كل يوم أكمل من أمس ولا يزال يعثر في الحين الثاني على سقطات في أفعاله وعثرات في أقواله الصادرة منه في الحين الأول ، هذا أمر لا ينكره من نفسه إنسان ذو شعور . وهذا الكتاب جاء النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نجوما وقرأه على الناس قطعا قطعا في مدة ثلاث وعشرين سنة في أحوال مختلفة وشرائط متفاوتة ، في مكة والمدينة في الليل والنهار والحضر والسفر والحرب والسلم في يوم العسرة وفي يوم الغلبة ويوم الأمن ويوم الخوف ، ولإلقاء المعارف الإلهية وتعليم الاخلاق الفاضلة وتقنين الأحكام الدينية في جميع أبواب الحاجة ، ولا يوجد فيه أدنى إختلاف في النظم المتشابه ، كتابا متشابها مثاني ، ولم يقع في المعارف التي ألقاها والأصول التي أعطاها إختلاف بتناقض بعضها مع بعض وتنافي شيء منها مع آخر ، فالآية تفسر الآية والبعض يبين البعض ، والجملة تصدق الجملة ، كما قال علي عليه السّلام : « ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض » « نهج البلاغة » . ولو كان من عند غير اللّه لاختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحة ومن حيث الإتقان والمتانة . فان قلت : هذه مجرد دعوى لا تتكئ على دليل وقد أخذ على القرآن مناقضات واشكالات جمة ربما ألف فيه التأليفات ، وهي اشكالات لفظية ترجع إلى قصوره في جهات البلاغة ومناقضات معنوية تعود إلى خطئه في آرائه وأنظاره وتعليماته ، وقد أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلا إلى التأويلات التي يحترزها الكلام الجاري على سنن الاستقامة وارتضاء الفطرة السليمة . قلت : ما أشير إليه من المناقضات والإشكالات موجودة في كتب التفسير وغيرها مع أجوبتها ومنها هذا الكتاب ، فالاشكال أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان . ولا تكاد تجد في هذه المؤلفات التي ذكرها المستشكل شبهة أو ردوها أو مناقضة أخذوها الا وهي مذكورة في مسفورات المفسرين مع أجوبتها ، فأخذوا الإشكالات وجمعوها ورتبوها وتركوا الأجوبة وأهملوها ، ونعم ما قيل : لو كانت عين الحب متهمة فعين البغض أولى بالتهمة .